أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
619
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ولا شك أن المعنى على هذا الترتيب ، إلا أنه لا يقال في ذلك تقديم وتأخير ، فإنّ الواو لا تقتضي ترتيبا فلا فرق ، ولكن إنما قدّم هذا أولا على قوله : « وَإِنْ تَسْئَلُوا » لفائدة وهي الزجر عن السؤال فإنه قدّم لهم أنّ سؤالهم عن أشياء متى ظهرت أساءتهم قبل أن يخبرهم بأنهم إن سألوا عنها بدت لهم لينزجروا ، وهو معنى لائق . قوله : عَفَا اللَّهُ عَنْها فيه وجهان : « 1 » أحدهما : أنه في محلّ جر لأنه صفة أخرى ل « أَشْياءَ » ، والضمير على هذا في « عَنْها » يعود على « أَشْياءَ » ، ولا حاجة إلى ادّعاء التقديم والتأخير في هذا كما قاله بعضهم ، قال : « تقديره : لا تسألوا عن أشياء عفا اللّه عنها إن تبد لكم إلى آخر الآية ، لأنّ كلا من الجملتين الشرطيتين وهذه الجملة صفة ل « أَشْياءَ » ، فمن أين أنّ هذه الجملة مستحقة للتقديم على ما قبلها ؟ وكأنّ هذا القائل إنّما قدّرها متقدمة ليتضح أنها صفة لا مستأنفة . والثاني : أنها لا محل لها لاستئنافها ، والضمير في « عَنْها » على هذا يعود على المسألة المدلول عليها ب « لا تَسْئَلُوا » ، ويجوز أن تعود على « أَشْياءَ » ، وإن كان في الوجه الأول يتعيّن هذا لضرورة الربط بين الصفة والموصوف . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 102 إلى 104 ] قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 103 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 ) قوله تعالى : قَدْ سَأَلَها : الضمير في « سَأَلَها » ظاهره يعود على « أَشْياءَ » ، لكن قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف قال : لا تسألوا عن أشياء ، ثم قال : « قَدْ سَأَلَها » ولم يقل سأل عنها ؟ قلت : الضمير في سألها ليس يعود على أشياء حتى يتعدّى إليها ب « عَنْ » ، وإنما يعود على المسألة المدلول عليها بقوله : « لا تَسْئَلُوا » أي : قد سأل المسألة قوم ، ثم أصبحوا بها - أي بمرجوعها - كافرين » . ونحا ابن عطية منحاه . قال الشيخ « 2 » : « ولا يتجه قولهما إلا على حذف مضاف ، وقد صرّح به بعض المفسرين ، أي : قد سأل أمثالها أي : أمثال هذه المسألة أو أمثال هذه السؤالات » . وقال الحوفي في « سَأَلَها » : « الظاهر عود الضمير على « أَشْياءَ » ولا يتجه حمله على ظاهره لا من جهة اللفظ العربي ولا من جهة المعنى ، أمّا من جهة اللفظ فلأنه كان ينبغي أن يعدّى ب « عَنْ » كما عدّي في الأول ، وأمّا من جهة المعنى فلأنّ المسؤول عنه مختلف قطعا ، فإنّ سؤالهم غير سؤال من قبلهم ، فإنّ سؤال هؤلاء مثل من سأل : أين ناقتي وما في بطن ناقتي ، وأين أبي وأين مدخلي ؟ وسؤال أولئك غير هذا نحو : أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً « 3 » أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً « 4 » اجْعَلْ لَنا إِلهاً « 5 » ونحوه . وقال الواحدي : - ناقلا عن الجرجاني - « وهذا السؤال في هذه الآيات
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 28 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 32 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية ( 114 ) . ( 4 ) سورة النساء ، الآية ( 153 ) . ( 5 ) سورة الأعراف ، الآية ( 138 ) .